إذا اتجه بلد نحو التقدم، فإنه يسير باتجاه التطور بيدكم أنتم أيها العمال، وإذا سار بلد باتجاه الانحطاط، فهو أيضاً يبدكم أنتم، إذ بعدم العمل أو بقلة العمل أو بعدم الرغبة في العمل يسير البلد نحو الانحطاط. إن الحكومة اليوم منكم، من العمال، والبلد بلدكم.

 

خطاب‌ الامام الخميني (قدس سره)حول مقام العمل والعامل بمناسبة يوم العمال العالمي‌:

بسم الله الرحمن الرحيم‌

أبارك يوم العمال للشعوب الكادحة وخاصة العمال بالمعنى العام للكلمة. العمال من أثمن الطبقات ومن أنفع الفئات في المجتمعات. العجلة العظيمة للمجتمعات البشرية تدور وتتحرك بالسواعد القوية للعمال. حياة أي شعب من الشعوب رهن بالعمل والعمال‌...

صحيفة الإمام(ترجمة عربية)، ج‌16، ص: 180

إحياء ذكرى يوم العامل‌

إن اختصاص يوم بالعمال لعله بلحاظ التكريم والتعظيم، وإلّا فإن كل يوم هو يوم العمل والعمال، بل العالم قد تشكل من العمل والعامل. إن تخصيص يوم للعالم كمن يخصص يوماً للنور، تخصيص يوم للشمس، إذ النور موجود في كل يوم، والنهار نور. كل يوم هو يوم الشمس، ولكن لعل ذلك كان من أجل التعظيم والتكريم، ولهذا فلا يوجد إشكال في هذا الأمر، ولكن إذا أردنا الواقعية فإن العمل والعامل موجودان في جميع عوالم ما قبل الطبيعة وفي عالم الطبيعة وفي عوالم ما بعد الطبيعة. فالعمل والعامل موجودان في كل مكان، وجميع موجودات العالم سواء موجودات ما قبل الطبيعة، أم الموجودات الطبيعية أم موجودات ما بعد الطبيعة فإن جميعها قد تحققت بسبب العامل. فالعمل نظير (الوجود) حاضر في جميع شؤون العالم.

إننا نعتبر هذا اليوم عظيما لأنهم جعلوه من أجل العامل، العامل في الإسلام. عندما نلاحظ محيطا محدودا أي هذا الموجود المتدني في هذه الأرض، في هذا الكوكب الصغير الذي لا قدر محسوس له مقابل العالم، لا قدر محسوس له مقابل عالم المادة، فعالم المادة واسع جدا حتى أنه كما يقال- وما أدركه البشر إلى الآن شي‌ء قليل جداً-، فإن بعض النجوم يحتاج نورها إلى ستة مليارات سنة ضوئية ليصل إلينا وهذا ما قد اكتشف إلى اليوم، وما بعده وما وراء ذلك فالله أعلم بذلك. إن هذه الأرض مقابل هذا الحجم الكبير هي شي‌ء ضئيل بل الشمس وكل المظومة الشمسية مقابل العالم هي شي‌ء غير محسوس، وجميع العالم مقابل عالم ما وراء الطبيعة هو ذرة غير محسوسة، كل عالم المادة هو كنقطة مقابل عالم ما وراء الطبيعة، وكل عالم ما وراء الطبيعة سواء ما قبل الطبيعة أم ما بعد الطبيعة مقابل إرادة الله لا قدر محسوس له.

العمال والفلاحون مديرو المجتمع الإنساني‌

الآن حيث نتكلم عن هذا الكوكب الصغير وفيما يتعلق بهذا الكوكب الذي لا قدر محسوس له أصلا في العالم، ونتحدث عن العامل بالمستوى الذي فهمه الآخرون، فلا بد أن نن- زل بأفق البحث ونقربه للأفهام. إن عمالنا هم مديرو مجتمع الإنسانية، فإدارة أمور الدول وإدارة أمور البلاد هي بيدهم‌..

هؤلاء هم الذين يديرون البلد، ولهذا السبب هم مديرو هذا العالم، عالم الطبيعة، أي أنه في هذا الكوكب الصغير، في هذه الأرض التي هي كوكب صغير، فإن إدارة أمور هذه الأرض بيد العمال، ويد هؤلاء هي التي تدير وتحيي هذا العالم، تحيي البلد، ولهذا السبب فهم مسؤولون عن أمر كبير، لهم احترام كبير ولكن مسؤوليتهم‌ عظيمة. فمن له في العالم احترام أكبر، وله عند الله تبارك وتعالى قيمة، وهو منشأ للأثر أكثر، تكون مسؤوليته أكبر.

إن كل ما موجود في هذا البلد والثروات التي ينعم بها مرهونة بوجود عمالنا سواء طبقة الفلاحين أم طبقة عمال المصانع أو غيرهم. ولهذا فهم مقدّمون على الجميع. ولكن الأمور التي بعهدتهم، والمسؤوليات التي يتحملونها هي أكبر من جميع المسؤوليات.

العمال وراء تقدم الدول وانحطاطها

إذا اتجه بلد نحو التقدم، فإنه يسير باتجاه التطور بيدكم أنتم أيها العمال، وإذا سار بلد باتجاه الانحطاط، فهو أيضاً يبدكم أنتم، إذ بعدم العمل أو بقلة العمل أو بعدم الرغبة في العمل يسير البلد نحو الانحطاط. إن الحكومة اليوم منكم، من العمال، والبلد بلدكم. فلم يعد للأجانب تدخل فيه. لم يعد هناك كبت. لم يعد هناك اختناق. لم يعد هناك نهب. البلد اليوم بلدكم، وأنتم مسؤولون عنه مباشرة. فإذا لم تبذلوا الجهد في هذه المسؤولية، إذا لم تبذلوا الجهد في هذا الأمر الذي بعهدتكم، وإذا لم تؤدوا ذلك الدّين الذي عليكم تجاه بلدكم وتجاه الإسلام، ستتحملون مسؤولية ذلك. وأما إذا بذلتم جهدكم وأدرتم عجلة البلد، فإن لكم قيمة كبيرة عند الله تبارك وتعالى. إن الإسلام يجعل لكم قيمة كبيرة، ويعتبركم خُزَّان الأرض، فأنتم الأمناء على خزائن الأرض، وعليكم إحياء الأرض. أنتم الذين تحيونها، إنكم تحيونها لأنفسكم فعليكم تحمل أعباء هذه المسؤولية، ولاتصغوا إلى الذين لايريدون لهذه العجلة أن تدور. إنهم لايحبونكم، الإسلام العزيز هو الذي يهتم بكم ويحترمكم ويطالب بحقوقكم ويعمل على احقاقها. دعوا الإسلام يحكم، دعوا الجذور الفاسدة للاستبداد والاستعمار تستأصل وتتلاشى، وليمنى الذين يريدون خدمة الأجانب بالخيبة والفشل.

دور العمال والفلاحين في بناء البلد

إنكم إخوتنا، إنكم أعزتنا، عليكم إدارة هذا البلد، أنتم من يستطيع الأخذ بهذا البلد الى برّ الأمان. أنتم من يستطيع في المصانع ادارة عجلة المصانع وانقاذ البلد. أنتم أيها الفلاحون من يستطيع أن يحرك عجلة الزراعة، وفعاليتكم هي التي تستطيع تحقيق الزراعة بشكلها الصحيح، فكما تعلمون أنهم خربوا الزراعة ودمروها، وعليكم أنتم الآن، بعد أن أصبح البلد بأيديكم وقطعت أيدي الأجانب، أن تهتموا بزراعتكم، وأعطوا الحكومة الفرصة حتى تساعدكم، تساعدكم بالمقدار الذي تستطيعه. وأنتم اخوتنا العمال، دعوا المعامل تعمل ليمكن إعمار هذه البلد للجميع، أعطوا الفرصة لتعمل هذه المصانع وتدور عجلة البلد، وإنكم جميعاً إخوة لنا، ونحن جميعاً في خدمتكم. أنتم من يستطيع إدارة البلد والقضاء على هذه الفوضى.

فكما تعلمون أن هؤلاء قد رحلوا تاركين البلد مضطراً. نهبوا ورحلوا، أفرغوا خزائننا ورحلوا. فيجب علينا الآن جميعاً. وليست فئة واحدة، علينا جميعاً أن نسعى ونحرك عجلات هذا البلد حتى تتحسن أوضاعه. إن الإسلام جعل لكم حقوقاً، وسوف يعطي حقوق الجميع. الإسلام جعل حقوقاً للعمال من الرجال والنساء. لجميع النساء والرجال المزارعين. وهو يكرمهم وسوف يرد لهم‌ حقوقهم. دعوا الإسلام يحكم، لتتحقق جمهورية الإسلام وأحكام الإسلام النورانية. لا تعبأوا بأولئك الذين لا يريدون لهذه العجلات أن تدور، ولا يريدون لزراعتنا أن تسير أمورها، ومعاملنا أن تعمل، لاتصغوا إليهم ولا تنخدعوا بهم ولا تفسحوا لهم المجال ليعملوا ما يريدون. إنهم يريدون خداعكم لينهبوا ثروات هذا البلد، لينهبوا خزائن هذا البلد، ليكون الطريق مفتوحاً أمام من يريد مدّ يده لينهب من هذه الخزائن. يجب أن تحولوا دون ذلك. علينا جميعا أن نمنع وقوع ذلك.

أسأل الله تبارك وتعالى الصحة والسلامة لجميع أبناء الشعب، والعظمة للإسلام والعزة والاستقلال والحرية لهذا الشعب. لنمض قدماً. معاً، الفلاح والعامل، وجميع أبناء الشعب.

صحيفة الإمام(ترجمة عربية)، ج‌7، ص: 135-131

المصدر: موقع الامام الخمینی

 

الطقس
مسؤولية ماينشر على عاتق الكاتب

تقع مسؤولية الكتاب على عاتق كتابهم ولا يعني نشره الموافقة على هذه التعليقات.