کدخبر: ۱۷۳۴۰۱۹ تاریخ انتشار:

فلسطین بالنسبة إلى الإمام الخمینی کانت منذ البدایة قضیة إسلامیة وإنسانیة

في فكر الإمام الخميني، تتجاوز القدس حدودها الجغرافية المحددة لتتحول إلى رمز لمواجهة الظلم والهيمنة. ولهذا، فإن رسالة يوم القدس لا تقتصر على الفلسطينيين أو الشعوب العربية، بل تشمل كل مجتمع يرى في نفسه مسؤولية تجاه مواجهة الظلم والاستبداد.

 

 هيئة تحرير جماران

 

في فكر الإمام الخميني، تتجاوز القدس حدودها الجغرافية المحددة لتتحول إلى رمز لمواجهة الظلم والهيمنة. ولهذا، فإن رسالة يوم القدس لا تقتصر على الفلسطينيين أو الشعوب العربية، بل تشمل كل مجتمع يرى في نفسه مسؤولية تجاه مواجهة الظلم والاستبداد. فقبل إطلاق تسمية يوم القدس، لم تكن تُنظَّم مسيرات دعمًا لفلسطين في البلدان الإسلامية غير العربية، وكانت مبادرة الإمام هي التي نقلت الدفاع عن القدس إلى أبعد المناطق في العالم الإسلامي، ومنها جنوب شرق آسيا.

 

قال الدكتور جواد إطاعت، الناشط السياسي والأستاذ الجامعي، في تصريحات له مؤخرًا: «دعوني أذكر مرجعًا آخر عن الإمام، يقول فيه إن قضية فلسطين قضية عربية ولا علاقة لنا نحن الإيرانيين بها؛ وهذه النصوص لم تُنشر ولم يتحدث عنها التلفزيون».

 

ويبدو أن الجانب الوحيد الصحيح في تصريحات الدكتور إطاعت هو إشارته إلى التعامل الانتقائي مع فكر الإمام الخميني وسيرته في هيئة الإذاعة والتلفزيون، أما المثال الذي أورده فلا يمت إلى الحقيقة بصلة.

 

لقد أعلن الإمام الخميني مواقف واضحة ومتعددة في دعم فلسطين، منذ الأيام الأولى لانطلاق نهضته وحتى السنوات الأخيرة من عمره، وذلك في خطاباته ورسائله وبياناته، وهي مواقف لا يمكن إنكارها أو تأويلها أو تحريفها.

 

من معارضة الشاه إلى معارضة إسرائيل؛ موقف واضح منذ انطلاق النهضة

 

لا يمكن حصر علاقة الإمام الخميني بالقضية الفلسطينية في مرحلة ما بعد الثورة أو في شعارات الجمهورية الإسلامية الرسمية. فقد كانت علاقات الشاه بإسرائيل، والمساعدات الاقتصادية والنفطية التي قدمتها إيران لهذا الكيان، من أبرز محاور معارضة الإمام لنظام الشاه، وهو موضوع تحدث عنه بوضوح منذ السنوات الأولى لانطلاق نهضته.

 

وقد أوضح الإمام أحد أسباب معارضته للشاه، قائلاً:

 

«إن أحد الأسباب التي وضعتنا في مواجهة الشاه هو مساعدته لإسرائيل. لقد قلت دائمًا في أحاديثي إن الشاه تعاون مع إسرائيل منذ نشأتها، وعندما بلغت الحرب بين إسرائيل والمسلمين ذروتها، ظل الشاه يغتصب نفط المسلمين ويقدمه لإسرائيل، وكان هذا الأمر بحد ذاته أحد أسباب معارضتي للشاه».

 

ولا تمثل هذه العبارة مجرد تعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين، بل إن الإمام يعدّ دعم الشاه لإسرائيل أحد الأسباب السياسية لمعارضته نظام البهلوي.

 

ولم تقتصر مواقف الإمام على هذه التصريحات؛ ففي أثناء حرب رمضان عام ۱۹۷۳، وجّه رسالة إلى حكومات وشعوب العالم الإسلامي، أكد فيها ضرورة توظيف الإمكانات الاقتصادية للدول الإسلامية في مواجهة إسرائيل، وكتب:

 

«ينبغي لحكومات البلدان الإسلامية الغنية بالنفط أن تستخدم النفط وسائر الإمكانات المتاحة لديها سلاحًا ضد إسرائيل والمستعمرين، وأن تمتنع عن بيع النفط للدول التي تقدم المساعدة لإسرائيل».

 

إن هذا الموقف يعكس، من جهة، أهمية فلسطين في الفكر السياسي للإمام، ويكشف، من جهة أخرى، أنه لم يكن ينظر إلى القضية بوصفها مسألة عاطفية أو خطابية فحسب، بل كان يدعو إلى تحويل دعم فلسطين إلى سياسة عملية في مجالات الاقتصاد والعلاقات الخارجية والعلاقات بين الدول.

 

ولا يمكن تجاوز مثل هذه المواقف بسهولة بالقول إن فلسطين كانت بالنسبة إلى الإمام قضية تخص العرب ولا علاقة لها بإيران.

 

عبقرية الإمام؛ تجاوز الحدود العربية والوطنية

 

مع ذلك، فإن أهمية رؤية الإمام الخميني للقضية الفلسطينية لا تقتصر على استمرار معارضته لإسرائيل، بل تكمن بصورة أكبر في التحول الذي أحدثه في تعريف هذه القضية وتوسيع دائرة المعنيين بها.

 

فقد كانت القضية الفلسطينية، قبل انتصار الثورة الإسلامية، تُطرح غالبًا في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، والقومية العربية، والتنافسات السياسية الإقليمية. ولا يعني ذلك غياب التعاطف أو الدعم من جانب دعاة الحرية في مناطق أخرى من العالم؛ لكن من أبرز سمات نهج الثورة الإسلامية بقيادة الإمام، خلافًا لرأي الدكتور إطاعت، أنه أخرج القضية الفلسطينية من نطاقها الجغرافي والهوياتي العربي، وحوّلها إلى قضية ترتبط بالمسؤولية المشتركة للمسلمين في مواجهة الاحتلال والظلم والهيمنة.

 

كان الإمام الخميني ينظر إلى فلسطين، وفق هذه الرؤية، لا باعتبارها أرضًا عربية فحسب، بل قضية تخص العالم الإسلامي بأسره؛ وهي قضية لا تنسجم اللامبالاة تجاهها مع ادعاء التضامن الإسلامي. ومن هنا، فإن خطابه في رسائله ومواقفه المتعلقة بفلسطين كان يتجاوز مرارًا الشعب الفلسطيني والدول العربية، ليشمل الحكومات والشعوب والعلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

 

وفي هذا الإطار، تحولت الهوية الإسلامية إلى أداة لتوسيع نطاق التضامن؛ ذلك التضامن الذي كان من المفترض أن يتجاوز الحدود الوطنية والقومية، وأن يتيح تعبئة الرأي العام والإمكانات السياسية والاقتصادية للدول الإسلامية.

 

وكان الإمام يقول في توضيح هذه الرؤية:

 

«ما لم نعدإلى الإسلام، إسلام رسول الله، وما لم نعد إلى إسلام رسول الله، فستظل مشكلاتنا على حالها، ولن نستطيع حل قضية فلسطين ولا أفغانستان ولا غيرهما...».

 

إن هذا الكلام يضع فلسطين إلى جانب سائر قضايا العالم الإسلامي، ويرى أن السبيل إلى مواجهتها يكمن في تعاون الشعوب والعودة إلى المشتركات العقائدية وتجاوز الخلافات السياسية. ووفق هذا التصور، فإن مصير فلسطين لا يتوقف فقط على قرارات الحكومات العربية أو نتائج المفاوضات بين الأطراف الإقليمية، بل إن الإرادة والوعي العام لدى المسلمين يؤديان دورًا أيضًا.

 

يوم القدس؛ صياغة جديدة لقضية عالمية

 

لعل أوضح رموز هذا النهج هو مبادرة الإمام الخميني إلى تسمية الجمعة الأخيرة من شهر رمضان بـ«يوم القدس العالمي».

 

ولا ينبغي اختزال أهمية هذه المبادرة في تحديد مناسبة تقويمية أو تنظيم مسيرات فحسب؛ إذ كان يوم القدس، وفق رؤية الإمام، محاولة لتحويل القضية الفلسطينية إلى موضوع دائم في الرأي العام العالمي، وإخراجها من دائرة احتكار الحكومات والمفاوضات الدبلوماسية والتطورات الإقليمية المؤقتة.

 

وقد أكد الإمام، موضحًا معنى هذا اليوم:

 

«يوم القدس يوم عالمي، وليس يومًا يختص بالقدس وحدها، بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين، ويوم دعم الشعوب التي كانت ترزح تحت ضغوط ظلم أمريكا وغيرها».

 

وفي هذا التعريف، تتجاوز القدس حدودها الجغرافية المحددة لتتحول إلى رمز لمواجهة الظلم والهيمنة. ولهذا، فإن رسالة يوم القدس لا تقتصر على الفلسطينيين أو الشعوب العربية، بل تشمل كل مجتمع يرى في نفسه مسؤولية تجاه مواجهة الظلم والاستبداد. فقبل إطلاق تسمية يوم القدس، لم تكن تُنظَّم مسيرات دعمًا لفلسطين في البلدان الإسلامية غير العربية، وكانت مبادرة الإمام هي التي نقلت الدفاع عن القدس إلى أبعد المناطق في العالم الإسلامي، ومنها جنوب شرق آسيا.

 

ومن هذا المنظور، فإن من أهم إنجازات الثورة الإسلامية إبقاء القضية الفلسطينية حية على مستوى يتجاوز التطورات اليومية في المنطقة، وتحويلها إلى قضية قادرة على تعبئة الرأي العام في العالم الإسلامي. وقد أتاحت هذه المبادرة، ولا سيما من خلال تكرارها سنويًا، عدم إخراج فلسطين من الذاكرة العامة، حتى في الفترات التي كانت تتصدر فيها قضايا سياسية وأمنية أخرى المشهد الإقليمي.

 

ردًّا على اقتباس؛ ينبغي قراءة الوثائق في سياقها التاريخي

 

في مقابل هذه المجموعة من المواقف، تحدث جواد إطاعت عن اقتباس آخر من الإمام الخميني، زاعمًا أنه قدّم فيه فلسطين باعتبارها قضية عربية لا علاقة لها بإيران، وهو اقتباس غير موثوق.

 

وفي المقابل، فإن ما تكشفه الوثائق المتاحة بوضوح هو استمرار موقف الإمام من فلسطين؛ بدءًا من اعتراضه على تعاون الشاه مع إسرائيل وبيع النفط الإيراني لهذا الكيان، مرورًا بدعوته الحكومات الإسلامية إلى توظيف إمكاناتها الاقتصادية، وتأكيده ضرورة وحدة المسلمين، وصولًا إلى إعلان يوم القدس العالمي.

 

وقد طرح الإمام الخميني، في حديث شهير، تساؤلًا بشأن عجز الحكومات والشعوب الإسلامية أمام إسرائيل، قائلاً:

 

«هناك أمر يشكل لغزًا بالنسبة إليّ، وهو أن جميع الحكومات الإسلامية وشعوب العالم الإسلامي تعرف ماهية هذا الألم، وتعلم أن أيادي الأجانب تعمل على تفريقهم، وترى أن هذا التفرق يؤدي إلى ضعفهم وزوالهم، وترى أن دولة إسرائيل الهشة تقف في مواجهة المسلمين، مع أنه لو كان المسلمون متحدين، وألقى كل واحد منهم دلوًا من الماء على إسرائيل، لجرفها السيل؛ ومع ذلك، فإنهم يقفون عاجزين أمامها».

 

إن هذا الكلام يشير بوضوح إلى قضية تتجاوز مجرد نزاع عربي. فالإمام يتحدث عن «الحكومات الإسلامية» و«شعوب العالم الإسلامي»، ويرى أن الضعف أمام إسرائيل هو نتيجة التفرقة فيما بينها. وهذه الرؤية لا تحصر مسؤولية مواجهة الاحتلال ودعم فلسطين في الحدود القومية والجغرافية.

 

فلسطين في المنظومة الفكرية للإمام؛ من موقف سياسي إلى مبدأ راسخ

 

ليس النقاش هنا حول ضرورة قبول كل موقف للإمام الخميني بشأن فلسطين دون دراسة، أو اعتبار كل اقتباس مخالف غير موثوق مسبقًا؛ بل يتمحور حول المنهج الصحيح في التعامل مع التاريخ، إذ ينبغي دراسة الوثائق مجتمعة، وفي سياقها التاريخي، مع مراعاة استمرارية المواقف أو تغيرها.

 

فعندما تكون معارضة دعم الشاه لإسرائيل أحد الأسباب التي أعلنها الإمام لمواجهة نظام البهلوي، وعندما يطالب عام ۱۹۷۳ الحكومات الإسلامية الغنية بالنفط بوقف بيع النفط للدول الداعمة لإسرائيل، وعندما يربط حل القضية الفلسطينية بوحدة الشعوب الإسلامية، وعندما يصف يوم القدس بأنه يوم عالمي لمواجهة المستكبرين، فإننا نكون أمام مجموعة من المواقف التي لا يمكن اختزالها في خلاف عربي فحسب.

 

إن أهمية مواقف الإمام التاريخية لا تكمن فقط في إطلاق الشعارات المناهضة لإسرائيل، بل في السعي إلى تغيير موقع القضية الفلسطينية في الرأي العام العالمي، وتحويلها إلى قضية تتجاوز الحدود العربية.

 

إن أهمية فلسطين في فكر الإمام، إلى جانب كونها تتعلق باحتلال جزء من الأرض المقدسة للمسلمين، تكمن في كونها قضية ترتبط بمصير أناس احتُلت أرضهم وانتهكت حقوقهم، وأُقيم مكانها ذلك الكيان السرطاني الذي يشكل سببًا لمشكلات المنطقة والعالم. وهذا التصور، وإن كان يحتل مكانة خاصة في العالم الإسلامي، فإنه لا يقتصر عليه، بل هو قضية إنسانية يتحمل جميع الأحرار في العالم مسؤوليتهم تجاهها.

-----------

موسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، القسم العربي، الشؤون الدولیة.

مشاهده خبر در جماران