إنّ الأمر الذي يجعل جميع هذه الأمور سهلة هو أنّنا ـ نحن وشعبنا والسيد الصدر، سلّمه الله تعالى ـ قد ابتُلينا في سبيل المنهج الإسلامي بمشكلة. فعندما تكون القضية قضيةَ أداء الواجب، يكون واجبنا أن نخدم الإسلام...

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خدمة الإسلام وتحمل المشاق في سبيل الهدف

إنّ الأمر الذي يجعل جميع هذه الأمور سهلة هو أنّنا ـ نحن وشعبنا والسيد الصدر، سلّمه الله تعالى ـ قد ابتُلينا في سبيل المنهج الإسلامي بمشكلة. فعندما تكون القضية قضيةَ أداء الواجب، يكون واجبنا أن نخدم الإسلام، وفي هذا الطريق، إذا وُفّقنا إلى تحقيق ما نهدف إليه، فذلك خيرٌ زائد على أصل الخير؛ وإذا لم نوفَّق، فإنّ أصل الخير، وهو أننا نسير في طريق خدمة الإسلام والمنهج الإسلامي، لا يضيع ولا ينتفي.

إنني اعرف السيد الصدر لسنوات طويلة، بل ينبغي أن أقول إنني أنا الذي ربّيته. وأنا أعرف فضائله، كما أعرف الخدمات التي قدّمها بعد ذهابه إلى لبنان، وأعرف أيضاً مدى حاجة لبنان إليه.

وأرجو، إن شاء الله، أن يعود إلى مكانه، وأن يستفيد المسلمون هناك من وجوده. وحتى الآن، عندما تقولون إن لدينا شواهد تدل على وجوده في ليبيا، فإنّ هذا الأمر نفسه، أيّاً كانت صورته، يقع في طريق خدمة المنهج وخدمة الإسلام، ولذلك يُكتب له عبادة أيضاً.

أما بالنسبة إلينا، فينبغي أن تكون هذه الأمور التي تحدث سهلةً علينا؛ لأننا نسير في طريق الإسلام.

إننا مطّلعون على أنّ أولياء الإسلام، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد تحمّلوا من المشاق والمتاعب ما لا يُحصى. فقد أمضى النبي طوال حياته في المشقة والتعب، وكذلك كان أولياء الإسلام؛ فلم تكن لهم، بحسب التعبير المادي، حياةٌ خالية من المتاعب، وإن كانوا جميعاً سعداء لأنهم كانوا يسيرون في طريقٍ واحد.

وهذه كانت سيرة أولياء الإسلام منذ البداية؛ فقد سُجنوا وقُتلوا وتحملوا الأذى في سبيل أهدافهم. والسيد صدر مضى الآن عامان وهو في الأسر، ولكن جدّه الإمام موسى الكاظم عليه السلام، كما يُقال، بقي سبع سنوات في السجن، وهناك رواية تقول أربع عشرة سنة.

لقد كان هذا هو الطريق الذي سلكه جميع أولياء الله، وليس فقط أولئك الذين عاشوا في عصر الإسلام؛ بل إن الأنبياء والأولياء الذين جاؤوا قبل الإسلام أيضاً كان طريقهم كذلك. لم يكن الأمر بحيث يعيشون في الرفاه المادي. فعندما نراجع تاريخ الأنبياء، نرى أنّ تاريخهم كله كان مليئاً بالجهاد والمشقة والتعب، لكنهم كانوا سعداء لأنهم كانوا في خدمة الهدف الذي آمنوا به.

وهذا الأمر يُعدّ مصدر فخرٍ لكم ولعائلة السيد الصدر أيضاً؛ لأنّ إنساناً لائقاً كان يخدم، ثم أصابته محنةٌ في طريق الخدمة.

وأرجو أن تنتهي هذه المحنة سريعاً، وأنا أدعو له وسأستمر في الدعاء له، وأرجو أن يُطلَق سراحه، إن شاء الله، ويعود سريعاً.

عدم اعتبار القومية في الإسلام

إنّ قضية لبنان وإيران وما شابه ذلك، كما تعلمون، ليست قضايا منفصلة عن بعضها. المسلمون أينما كانوا يجب أن يكونوا معاً. وما يكون ألماً ومحنةً لطائفةٍ من المسلمين، ينبغي أن يكون ألماً ومحنةً للطائفة الأخرى أيضاً؛ فلا ينبغي أن تكون قضاياهم منفصلة.

كوننا إيرانيين وهم لبنانيون، أو كون الآخرين من بلدٍ آخر، فهذا أمرٌ لا مكان له في الإسلام. فالإسلام يعتبر جميع الذين آمنوا بالله إخوةً، ولا يضع لهم حسابات منفصلة؛ فلا يوجد في الإسلام حسابٌ للعرب وحسابٌ للعجم، وحسابٌ لإيران وحسابٌ لبلدٍ آخر.

هذه الحسابات التي يطرحها الناس الماديون، فيقول أحدهم: نحن إيرانيون، ولذلك يجب أن نفعل كذا من أجل إيران، ويقول آخر: نحن عراقيون، ولذلك يجب أن نفعل كذا من أجل العراق؛ هذه الحسابات ليست موجودة في الإسلام.

إنّ الإسلام يريد أن يكون العالم كله عائلةً واحدة، وقد قلنا إنّ المطلوب هو أن تقام حكومة العدل في العالم كله، وأن يكون جميع الناس أفراداً في هذه العائلة الواحدة.

ومن هنا، فإنّ الحديث عن أنّ شعب إيران منفصل عن شعب العراق، وأن لكل شعب عصبيةً خاصة به، بل وحتى أن يعمل الإنسان من أجل الإسلام أو ضد الإسلام، أو أن يهتم بالوطن والقومية بمعزل عن الإسلام، هو أمرٌ مخالف للأساس الإسلامي.

إنّ الإسلام، مع كونه يحترم الوطن، أي المكان الذي وُلد فيه الإنسان، لا يضع الوطن في مواجهة الإسلام. الأساس هو الإسلام، وما عداه فروع.

والذين ينتمون إلى منهجٍ ومكتبٍ فكري، أساس عملهم هو خدمة الإسلام. فإذا كانت هذه الخدمة في لبنان فهي خدمة، وإذا كانت في إيران فهي خدمة، وإذا كانت في أي مكان آخر فهي خدمة. وإذا كان الإنسان في السجن وهو يخدم الإسلام، فهي خدمة، وإذا كان خارج السجن أيضاً فهي خدمة.

إنّه لا يزال الآن أيضاً في خدمة الإسلام.

لأنّ الإنسان عندما يرى هذه المصائب في سبيل الإسلام ـ وإن كان لا ينبغي أن نسمّيها مصائب ـ فإنّه عندما يكون كلّ شيء في سبيل الإسلام، يصبح كلّ شيء سهلاً.

أنتم ترون حتى هؤلاء الشباب الذين يعملون الآن هنا، وفي لبنان، وفي أماكن أخرى، وما يتمتّعون به من روحٍ ومعنويات. بالأمس فقط جاء إلى هنا شابّ وكان يريد أن يتزوّج امرأة. وعندما جرى الحديث عن المهر، قالت المرأة: «ليكن مهري أن تأخذني إلى مكّة».

 

فقال ذلك الشاب: «أنا لن أبقى حيّاً حتى آخذك إلى مكّة؛ فإنّي سأُستشهد».

 

وفي النهاية، وبعد أن تحدّثنا معه لبعض الوقت، أقنعناه بأن يقول: «لا، إن شاء الله ستبقون أحياءً، وستواصلون خدمتكم».

 

إنّ هذه روحٌ معنويةٌ عظيمة قد نشأت في نفوس الشباب، وأرجو أن تنشأ هذه الروح فينا جميعاً أيضاً؛ روح الالتزام بالمكتب، والاهتمام بالمكتب، لا الاهتمام بالأمور الأخرى.

 

أسأل الله تبارك وتعالى أن يقرّ أعيننا وأعينكم بعودته إلينا واستمرار خدمته.

 

إن شاء الله، يمنح الله جميع أفراد أسرته الصبر على فراقه، وأن يقرّ أعيننا جميعاً، إن شاء الله، برؤية وجوده بيننا، ليعود ويُوفَّق في خدمة المذهب، وينتفع الشيعة في لبنان من وجوده، بل جميع المسلمين، إن شاء الله.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

-----------------

موسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، القسم العربي، الشؤون الدولیة.

الطقس
مسؤولية ماينشر على عاتق الكاتب

تقع مسؤولية الكتاب على عاتق كتابهم ولا يعني نشره الموافقة على هذه التعليقات.