- رمز الأخبار: 1716176
كان سماحة آية الله السيد علي الخامنئي، خلال المرحلة العصيبة لتشكّل الثورة الإسلامية، إلى جانب الإمام...
كان سماحة آية الله السيد علي الخامنئي، خلال المرحلة العصيبة لتشكّل الثورة الإسلامية، إلى جانب الإمام، لا بصفته رفيقًا فحسب، بل بوصفه تلميذًا كان يحسن فهم «لسان حال الإمام» وإدراك مقاصده العميقة. وقد أفضت هذه الملازمة إلى أن تتجلّى «بصيرة الإمام» في نهجه القيادي وتستمر في مسيرة الثورة. ومن هنا، فإن تأكيده الدائم على السير في نهج الإمام الخميني (قدس سره) لم يكن إلا استحضارًا لذلك «العهد الأول». وكان هذا الاتباع، في حقيقته، صيانةً لأمانةٍ كبرى، أمانةٍ لم تغفل يومًا عن الغاية العليا، وهي إقامة العدل الإلهي في الأرض وكسر قيود الاستكبار، مرتكزةً في ذلك على مبادئ العزة والحكمة والمصلحة.
لقد عُرِّفت مفاهيم الإرث والخلافة والاتباع، عبر التاريخ الحضاري والسياسي، ضمن أطر مادية أو إدارية في الغالب؛ غير أن الحديث عن الولاية والقيادة المعنوية يرفع مفهوم الاتباع من مجرد تقليدٍ شكلي إلى مستوى «التلازم الوجودي». ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن اتباع الشهيد القائد لمنهج الإمام وسيرته ليس وصفًا لعلاقة تقليدية، بل تحليلٌ لرابطةٍ استراتيجية وعرفانية، رابطةٍ يبقى فيها الهدف ثابتًا لا يتغير، بينما تُعاد صياغة الوسائل بما ينسجم مع متغيرات الزمان.
وتسعى هذه الدراسة إلى بيان الكيفية التي كانت بها إرادة الشهيد القائد – أعلى الله مقامه الشريف – في إدارة النظام الإسلامي انعكاسًا لخارطة الطريق التي رسمها الإمام الخميني (قدس سره)، وإلى توضيح أن هذا الاتباع لم يكن اتباعًا جامدًا، بل حركةً متجددةً على طريق الحق والحقيقة وتحقيق المقاصد الإلهية.
تكوين الرابطة؛ من التلمذة إلى استمرار الرسالة
ولإدراك عمق هذا الاتباع، لا بد أولًا من العودة إلى جذور هذه الرابطة. فقد نشأت العلاقة بين الإمام الخميني (قدس سره) وآية الله الخامنئي في فضاء السلوك والجهاد. وفي الأدبيات العرفانية يبلغ التلميذ مرتبة الكمال حين يستوعب إرادة أستاذه، لا بمعنى أن يفقد استقلاليته، بل بمعنى أن تتوحد إرادته مع الغاية العليا التي يحملها أستاذه.
لقد كان سماحة آية الله الخامنئي، في سنوات الثورة الأولى، ملازمًا للإمام، يفهم مقاصده ويستوعب رؤيته، الأمر الذي جعل بصيرة الإمام تتجسد في سياسته القيادية. ولذلك، فإن تأكيده المستمر على السير في نهج الإمام لم يكن إلا تجديدًا للعهد الأول، وحفظًا للأمانة التي تقوم على العزة والحكمة والمصلحة، دون أن تحيد عن الهدف الأسمى المتمثل في إقامة العدالة الإلهية في الأرض وكسر قيود الاستكبار.
«جوهرةُ خزانةِ الأسرار هي هي كما كانت،
وخاتمُ المحبة ما زال يحمل الختم والعلامة نفسيهما.»
الثبات في الهدف والحيوية في الوسائل؛ بيان استراتيجية الاتباع
من أبرز سمات قيادة الشهيد القائد أنه استطاع أن يحقق توازنًا دقيقًا بين الثبات في الأهداف والمرونة في الوسائل. فقد كان الإمام الخميني (قدس سره) مهندس هذا المسار وهاديه، إذ رسّخ المبادئ الأساسية المتمثلة في الاستقلال، والإسلام، والجمهورية الإسلامية. ومن الواضح أن الاقتداء بالإمام الخميني في العصر الحاضر لا يعني مجرد تكرار كلماته، بل يعني تجسيد أفكاره وأهدافه وتطبيقها في ميدان التحديات المعقدة للقرن الحادي والعشرين.
فعلى سبيل المثال، في مواجهة الاستكبار العالمي، رسم الإمام الراحل طريق العزة والشجاعة وعدم الخضوع. وفي عهد الشهيد القائد تجسدت هذه العزة في تعزيز القدرة العسكرية، واعتماد الدبلوماسية القائمة على الصمود والمقاومة، ودفع عجلة التطور العلمي والتكنولوجي. وإذا تأملنا بدقة، وجدنا أن كل خطوة اتُّخذت في فترة قيادته – من دعم وتطوير فيلق القدس، إلى توسيع الحضور الثقافي والسياسي للجمهورية الإسلامية في المنطقة، وصولًا إلى دعم جبهة المقاومة – لم تكن إلا استكمالًا للرؤية التي وضع الإمام الخميني أسسها منذ انتصار الثورة.
ومن ثم، فإن عبارة «اتباع الإمام» لم تكن تعني السير خلف شخصٍ فحسب، بل تعني المضي في خط مستقيم يبدأ بالتسليم لإرادة الإمام وينتهي بالثقة المطلقة بوعد الله تعالى. وفي هذا الطريق، كان الشهيد القائد، بما امتلكه من بصيرة نافذة، يدرك متى ينبغي التشبث الصارم بالمبادئ، ومتى يكون من الحكمة والتدبير اعتماد مسار طويل الأمد يضمن الوصول الآمن إلى الأهداف التي رسمها الإمام. وهذا هو الاتباع الواعي؛ اتباعٌ لا يقوم على التقليد الأعمى، وإنما على الفهم العميق للمقاصد والغايات وتحليلها بعقلٍ راشد.
««من هام قلبُه بخطك الأخضر،
فلن يبرح هذه الدائرة ما دام حيًّا.»»
محورية المستضعفين؛ القلب النابض للرابطة
إذا أردنا أن نلخص القاسم المشترك الأهم بين الإمام الخميني (قدس سره) والشهيد القائد في كلمة واحدة، فإن تلك الكلمة هي المستضعفون. فقد أقام الإمام الخميني ثورته من أجل تحرير المستضعفين في العالم، كما تكشف سيرة الشهيد القائد وخطاباته أن هذه القضية بقيت تمثل المحور الأساس في جميع قراراته ومواقفه.
فمن تأكيده على الاقتصاد المقاوم بوصفه سبيلًا للتحرر من التبعية لمنظومة الهيمنة العالمية، إلى دعمه لمحاور المقاومة في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، تتجلى حقيقة أن رؤيته كانت امتدادًا مباشرًا لرؤية الإمام الخميني؛ رؤيةٌ تنطلق من موقع الحق في مواجهة الباطل، وترفض أن يُترك المستضعفون فريسةً للمستكبرين أو أن تُسلب حقوقهم.
وفي هذا الموضع يبلغ الاتباع قمته؛ إذ كان الشهيد القائد يؤمن بأن أي انحراف عن محور نصرة المستضعفين يُعد خيانةً للإرث الذي خلّفه الإمام. ولذلك كانت جميع جهوده في تقوية جبهة الحق إنما تصب في سبيل تحقيق المشروع الذي أراده الإمام، حتى تؤتي أفكاره الإصلاحية وثمرتها الحضارية أكلها، وتظهر في واقع الأمة بصورة واضحة راسخة.
««إذا صار وجهُ الله ماثلًا أمام بصرك،
فلن يبقى بعد ذلك شكٌّ في أنك من أهل البصيرة.»»
أنموذج الطهارة والتقوى؛ الرابطة المعنوية والسلوكية
إنّ الاتباع في مستوى القيادة لا يقتصر على كونه شأنًا سياسيًا، بل هو قبل ذلك وبعده قضية معنوية وسلوكية. فقد كان الإمام الخميني (قدس سره) يرى دائمًا أن السياسة إذا انفصلت عن التقوى غدت أداةً بيد الشيطان. وانطلاقًا من هذا الأساس، اعتبر الشهيد القائد أن طهارة الباطن والتقوى السياسية شرطان لا غنى عنهما لتحقيق أهداف الثورة الإسلامية.
وكان تأكيده المستمر على البساطة في العيش، والتواضع، والمواظبة على العبادة، إنما يمثل امتدادًا عمليًا للنموذج الذي جسّده الإمام الخميني في حياته وسلوكه. ومن ثمّ، فإن الاقتداء بالإمام في هذا المجال لم يكن مجرد التزامٍ بمنهجٍ سياسي، بل كان انسجامًا روحيًا وسلوكيًا بين شخصيتين كرّستا حياتهما في سبيل الله تعالى.
لقد كان التلميذ الوفي يرى نفسه مكلَّفًا بالسير في الطريق الذي ارتضاه أستاذه ومرشده، وكان يدرك أن من أراد هداية الآخرين، فعليه أولًا أن يسلك بنفسه طريق تزكية النفس وتهذيب الأخلاق. ومن هنا، فإن الرابطة الروحية التي جمعت بين الإمام والقائد لم تكن رابطةً تنظيمية أو إدارية، بل كانت رابطةَ عاشقين للحق، جمعتهما وحدة المقصد والإخلاص في أداء الرسالة.
وقد أسهمت هذه الرابطة في أن يبقى بوصلة النظام الإسلامي ثابتةً، رغم ما واجهه من عواصف سياسية وضغوط دولية وأحداث متسارعة. ولم يكن ذلك الثبات قائمًا على المصالح الشخصية أو الحسابات الظرفية، وإنما استند إلى الحقائق الإلهية الثابتة والمبادئ التي لا تتغير بتغير الأزمنة والظروف.
«اغسلْ نحاسَ وجودِك كما يفعل رجالُ الطريق، حتى تنال كيمياءَ العشق فتغدو ذهبًا.»
الكلمة الأخيرة: استمرار النور وآفاق المستقبل
وفي الختام، يمكن القول إن الشهيد القائد، عندما كان يؤكد أنه «سائرٌ على نهج الإمام»، إنما كان يجدد التأكيد، على نحوٍ مستمر ومؤكد، على التزامٍ تاريخي وإلهي. ولم يكن هذا الاتباع يعني الوقوف عند حدود الماضي، بل كان يعني حمل حقيقة الماضي إلى المستقبل، وجعلها حاضرةً في مواجهة تحديات كل عصر.
فإذا كان الإمام الخميني (قدس سره) هو المهندس الذي شيّد هذا البناء، فإن الشهيد القائد تولّى مسؤولية صيانته واستكماله في مواجهة العواصف العاتية وتقلبات الزمن. ويمنحنا هذا الامتداد التاريخي ثقةً بأن روح الثورة الإسلامية ستظل حيّة، مهما تعاقبت الأجيال وتبدلت الوجوه؛ لأن زمامها كان في يد قائدٍ كان قلبه يخفق بنبض روح الإمام، وكانت عيناه تتطلعان إلى الآفاق نفسها التي رسمها الإمام الراحل.
لقد شهدنا، على امتداد ما يقرب من أربعة عقود، تلاقي بصيرة الإمام مع حكمة القيادة وتدبيرها؛ تلاقياً أسهم في ترسيخ الجمهورية الإسلامية، لا بوصفها ظاهرةً عابرة، بل باعتبارها رسالةً متواصلةً ومشروعًا حضاريًا متجددًا.
وفي هذا المسار، ظل فكر الإمام المصباح الهادي الذي بدّد ظلمات الحيرة، وأنار طريق الأمة، وقادها نحو الأفق الموعود الذي تظلله العدالة الإلهية ويعم فيه الحق أرجاء الأرض.
وهذه هي حقيقة الاستمرار، وهذا هو المعنى العميق للاتباع؛ إنه الطريق الذي رسم معالمه الإمام الخميني (قدس سره)، وسار عليه الشهيد القائد بكل إخلاص وثبات، حتى إنه لم يبخل في سبيله بأغلى ما يملك، فقدم نفسه وأفرادًا من أسرته قربانًا لهذه الرسالة، مؤمنًا بأن صيانة المبادئ الإلهية تستحق كل تضحية.
ومن هنا، فإن الواجب الملقى على عاتق الأجيال هو أن تحفظ هذه الأمانة، وأن تستلهم من هذا النهج قيم الإيمان، والوعي، والصمود، والإخلاص، حتى يبقى ذلك المشروع الحضاري حيًّا في الضمائر، ومتجددًا في الواقع، وممتدًا نحو المستقبل.
-----------
حجة الإسلام و المسلمين الدكتور علي كمساري ، رئيس مؤسسة تنظيم و نشر تراث الإمام الخميني (قده) .
-----------
القسم العربي ، الشؤون الدولية.